في إنجيل لوقا، الإصحاح السادس، الآية الثانية والثلاثون، يفكك النص الاقتصاد البشري القائم على تبادل العواطف. الكلمة اليونانية المستخدمة للتعبير عن فضل هي خاريس، والتي تعني في جوهرها النعمة. هذا ليس مجرد حث أخلاقي لتكون شخصا أفضل، بل هو زلزال أنطولوجي يضرب جذور الوجود. المسيح هنا يطالب بقطيعة تامة مع الغريزة البيولوجية والمجتمعية القائمة على المعاملة بالمثل، ليدعوك إلى تجسيد تلك المحبة الأحادية التي نطقت فخلقت الكون من العدم.
أنطولوجيا النعمة: اختراق اقتصاد التبادل
يعمل العالم وفق حلقة مغلقة من التبادل التجاري العاطفي. لكن النص اليوناني يستخدم كلمة خاريس للتعبير عن الفضل، وهي ذات الكلمة التي تعني النعمة. الخُطاة هنا ليسوا مجرد أشرار، بل هم أسرى البنية الساقطة لدورة الدَين والسداد. النعمة قوة لا تُكتسب ولا تُرد، إنها تكسر قوانين الديناميكا الحرارية الروحية وتتدفق دون انتظار مقابل أو مكافأة.
محبتك الطبيعية ليست سوى صفقة بيولوجية. أن تحب دون مقابل يعني أن تخرج من حدود نوعك البشري لتعمل بالطاقة غير المخلوقة للذات الإلهية.
العهد الأحادي: صدى الوعود القديمة
يستحضر المسيح هنا أعمق بنية عهدية في العهد القديم. عندما ربط الله نفسه بعهد مع إبراهيم، اجتاز بين الذبائح المقطوعة وحده. محبة الله لإسرائيل، كما تجلت في زواج هوشع من امرأة خائنة، كانت أحادية الجانب تماما.
لم تكن هذه الآية في يوم من الأيام مجرد موعظة أخلاقية بسيطة، بل هي الخط الفاصل أنطولوجياً ولاهوتياً بين الأخلاق البشرية الطبيعية وحياة النعمة الفائقة للطبيعة في اللاهوت المسيحي. في هذا النص من إنجيل لوقا، تُطرح مسألة جوهرية حول طبيعة المحبة المسيحية (الأغابي Agape أو الكاريتاس Caritas) في مقابل المحبة الطبيعية. الكلمة اليونانية المترجمة هنا إلى "فضل" هي (خاريس Charis)، والتي تعني "نعمة". بالتالي، فإن السؤال اللاهوتي الذي واجهته المدارس المسيحية ليس فقط "كيف نحب؟"، بل "ما الذي يُميز النعمة المسيحية عن الطبيعة البشرية الساقطة؟". هذه الآية هي حجر الزاوية الذي بُنيت عليه عقائد التبرير، والفضائل اللاهوتية، والنعمة المانحة للحياة.
القراءة المدرسية: المحبة كفضيلة لاهوتية مسكوبة
*توما الأكويني (Thomas Aquinas)*
يضع توما الأكويني هذه الآية في صميم دراسته للفضائل اللاهوتية. بالنسبة للأكويني، فإن محبة الذين يحبوننا هي ميل طبيعي يمكن تحقيقه من خلال العقل البشري والفضيلة الطبيعية، وهو أمر يشترك فيه حتى "الخطاة". أما محبة الأعداء أو الذين لا يبادلوننا الحب، فهي تتطلب "الكاريتاس" (Caritas)، وهي فضيلة لاهوتية لا يمكن للإنسان اكتسابها بجهده، بل يسكبها الله مباشرة في النفس بواسطة النعمة المبررة. "الفضل" هنا ليس إنجازاً بشرياً، بل هو الدليل القاطع على حضور الروح القدس الذي يرفع الطبيعة البشرية لتتجاوز قدراتها المحدودة وتشارك في المحبة الإلهية ذاتها.